صديق الحسيني القنوجي البخاري
161
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَإِنْ يَتَفَرَّقا أي لم يتصالحا بل فارق كل واحد منهما صاحبه بالطلاق يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا منهما أي يجعله مستغنيا عن الآخر بأن يهيء للرجل امرأة توافقه وتقر بها عينه ، والمرأة رجلا تغتبط بصحبته ويرزقهما مِنْ سَعَتِهِ رزقا يغنيهما به عن الحاجة ، وفي هذا تسلية لكل واحد من الزوجين بعد الطلاق وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً واسع الفضل والرحمة ، وقيل القدرة والعلم والرزق صادرة أفعاله على جهة الإحكام والإتقان . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هذه جملة مستأنفة لتقرير كمال سعته سبحانه وشمول قدرته لأن من ملكهما لا تفنى خزائنه وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي أمرناهم فيما أنزلناه عليهم من الكتب ، واللام في الكتاب للجنس مِنْ قَبْلِكُمْ من اليهود والنصارى وأصحاب الكتاب القديمة وَإِيَّاكُمْ يا أهل القرآن في كتابكم أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى ، وقال الأخفش : بأن اتقوا اللّه . ويجوز أن تكون أن مفسرة لأن التوصية في معنى القول وهو أن توحدوه وتطيعوه وتحذروه وتخافوه ولا تخالفوا أمره ، والمعنى أن الأمر بتقوى اللّه شريعة قديمة أوصى اللّه بها جميع الأمم السالفة في كتبهم على ألسن رسلهم . وَإِنْ تَكْفُرُوا أي وقلنا لهم ولكم إن تكفروا وتجاحدوا ما أوصاكم به فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا فلا يضره كفركم ، وفائدة هذا التكرير التأكيد ليتنبه العباد على سعة ملكه وينظروا في ذلك ويعلموا أنه غني عن خلقه وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن جميع خلقه حَمِيداً مستحمدا إليهم قاله ابن عباس ، وعن علي مثله . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي عبيدا وملكا قيل تكريرها تعديد لما هو موجب تقواه لأن التقوى والخشية أصل كل خير ، وقيل كلام مبتدأ سيق للمخاطبين توطئة لما بعده من الشرطية غير داخل تحت القول المحكي وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي حفيظا قاله قتادة ، وقال ابن عباس شهيدا على أن له فيهن عبيدا وقيل دافعا ومجيرا . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي يفنكم أَيُّهَا النَّاسُ ويستأصلكم بالمرة ، قال ابن عباس : يريد المشركين والمنافقين وَيَأْتِ أي يوجد دفعة مكانكم بِآخَرِينَ أي بقوم آخرين من البشر ، أو خلقا مكان الإنس غيركم هم خير منكم ، وهو كقوله تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [ محمد : 38 ] وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ أي على أن يهلك من خلقه ما شاء ويأتي بآخرين من بعدهم قَدِيراً